'العويس' ترسخ للإمارات مركزا ثقافيا عربيا وعالميا
تلعب مؤسسة سلطان العويس الثقافية منذ تأسيسها دورا مهما وخاصا على الخارطة الثقافية العربية، دورا هادئا على الرغم من قوة حضوره وتميز فعاليته، يعمل هذا الدور وفقا لاستراتيجية ترسخ لمكانة الإمارات الثقافية داخل الثقافة العربية.
وحظي هذا الدور باحترام وتقدير صفوة المفكرين والكتاب من مختلف الأقطار العربية، فضلا عن المؤسسات الثقافية، وانعكس ذلك على قيمة جوائزها وما تمثله من ثقل لدى المفكر والمبدع العربي، حيث حافظت على مدى عمر جوائزها التي بدأت دورتها الأولى 1988 / 1989 على أن تنأى بها عن الهوى والعلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة وغيرها مما هو معروف ولعب دورا كبيرا في إفساد قيمة الكثير من الجوائز على المستوى العربي.
وجاء خبر إعلان مؤسسة سلطان العويس للفائزين بجائزتها 2008 / 2009 والتي حصل عليها الروائي الجزائري الطاهر وطار، والشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح والمفكران المصري د. جلال أمين والتونسي د. عبدالسلام المسدي، فرصة للنظر والتأمل في لائحة جوائزها ولجان تحكيمها والفائزين بها في العشر سنوات الماضية.
قرأت اللائحة أكثر من مرة بحثا عن شيء مختلف فيها عن تلك اللوائح الخاصة بالجوائز هنا أو هناك في هذا القطر العربي أو ذاك، فلم أجد، ليتأكد لي أن الأمر يرتبط ارتباطا وثيقا بالقائمين على الأمر، وبلجان التحكيم التي يتم اختيارها، حيث أنه إذا تمتع ـ وهذا ما هو حاصل بالفعل ـ القائمون على الأمر بالثقة والنزاهة والشفافية والتجرد من الهوى والمصلحة الخاصة، حتما ستكون اختياراتهم لأعضاء لجنة التحكيم من القوة بحيث تخرج نتائجها موثوق فيها.
وباستعراض أسماء الفائزين بهذه الجائزة المرموقة لا يسع المرء إلا أن يجلها ويحترمها ويأمل أن تستمر على ما هي عليه، فكل اسم من الفائزين يشكل عمله ودوره في الثقافة والإبداع العربيين علامة فارقة، ولا يحتمل أن يختلف على ذلك اثنان.
أسماء مثل محمد مهدي الجواهري وعبدالله البردوني ومحمد الماغوط وأدونيس وحسب الشيخ جعفر وعبدالوهاب المسيري وثروت عكاشة وفؤاد التكرلي وقاسم حداد وعز الدين المدني وعبدالوهاب البياتي وصنع الله إبراهيم وزكي نجيب محمود وشكري عياد ومحمد الرميحي ويمني العيد وغيرهم، من علامات الإبداع والنقد والفكر العربي، هؤلاء لم تتم مجاملتهم، لم يزكيهم هذا أو ذاك، لم يقم أحد منهم بالضغط على هيئة الجائزة أو لجنتها، بل ذهبت إليه الجائزة كونه جديرا بها ويستحق أن تذهب إليه.
أما الأسماء التي يضمها مجلس الأمناء فهي ذات تاريخ مشرف ومن أبرز الكفاءات الإدارية والعلمية والثقافية، والتي استطاعت منذ تأسيس المؤسسة وجائزتها أن تكون أمينة على المؤسسة وجائزتها والرجل الذي تحمل اسمها "الشاعر سلطان العويس".
تمتد أنشطة المؤسسة وفعالياتها إلى مختلف الفنون والآداب، ولا تبتعد رؤيتها كثيرا عما ترمي إليه استراتيجيتها، فهي حريصة على أن تكون هذه الأنشطة والفعاليات بنفس القوة. ومنذ مدة أقامت بالقاهرة ندوة حول تحديات الترجمة بالتعاون مع المجلس القومي للترجمة، جمعت فيها صفوة المترجمين العرب، ومن قبل كانت في تونس، وهكذا، وقد كانت كلمة د. محمد عبدالله المطوع عضو مجلس أمناء المؤسسة في افتتاح الندوة دلالة ومعبرا عن البعد الذي تحمله المؤسسة، قال الرجل: إن كانت المؤسسة إماراتية المنشأة والهوية والمكان إلا أنها عربية التوجه، وأن استراتيجية عملها تشكل كل أرجاء الوطن العربي.
وأضاف: إنها معنية بتطوير الإبداع الذي يتخذ من اللغة العربية وسيلة ولغة تخاطب، بغض النظر عن جنس المبدع أو جنسيته أو أيديولوجيته أو مذهبه أو دينه أو لونه، لأننا لا نملك أمام المبدع من سلطة إلا سلطة الإبداع.
وتبقي مؤسسة العويس نموذجا من تلك النماذج الرائعة التي تقدمها الإمارات العربية المتحدة للأمة العربية كلها، لذا ليس من قبيل الصدفة أو المجاملة أن يرى مثقفون العرب وغربيون في الإمارات مركز ثقافيا يترسخ ليمثل واجهة الثقافة العربية عالميا.
محمد الحمامصي
ميدل إيسيت أونلاين 28 ديسمبر 2009
|