برحيل الشاعر السعودي غازي القصيبي يفقد الشعر العربي أحد أعلامه المميزين الذين عرفوا كيف يوائمون ببراعة بين الشغف بالكتابة والشغف بالحياة، وأن يجعلوا من هذه الأخيرة الظهير الأهم لتجربتهم الإبداعية والإنسانية . والحقيقة أن التجربة الثرية والغزيرة للقصيبي لم تنل حظها من النقد والقراءة المعمقة سواء على مستوى الرواية أو على مستوى الشعر، رغم أن بعض النقاد العرب أقبلوا بالدراسة والتحليل على اسماء أقل بريقاً وتجارب أقل قيمة وموهبة، وقد لا يكون الأمر في رأيي عائداً إلى أسباب فنية وإبداعية محضة بقدر ما نجم عن مواقف مسبقة إزاء الشعراء المتصلين بسلطتي المال والسياسية، وعن حساسية النقد الجاد بوجه عام إزاء هذا النوع من الكتّاب والشعراء، وإذا كان من غير الجائز أن تتم محاباة الشعراء وامتداحهم بسبب ثرائهم المالي أو موقعهم في السلطة، فإنه من غير الجائز بالمقابل أن تتم معاقبة هؤلاء للسبب نفسه وأن ينظر إلى نتاجهم بعين الريبة والمجابنة والأحكام المسبقة .
كان لا بد من هذا التوضيح قبل الإشارة إلى أنني على المستوى الشخصي لم أكن بعيداً عن تلك النظرة المسبقة والمرتابة إلى شاعرية القصيبي الذي تعود قراءتي له إلى سنوات قليلة خلت، غير أن أية قراءة منصفة لأعمال الشاعر لا بد أن تتوقف قبل كل شيء عند تلك العلاقة المرهفة بالعالم والأماكن والبشر والأشياء، وعند ذلك الأسلوب الرشيق المفعم بالطراوة والرقة والانسياب التعبيري . والحقيقة أن صاحب “قراءة في وجه لندن” و”أشعار من جزائر اللؤلؤ” يدفعنا بشكل أو بآخر إلى إعادة طرح السؤال حول العلاقة بين الشعر والمكان، أو حول المقولة السائدة بأن الشعر ابن بيئته، منذ حادثة علي بن الجهم الشهيرة وحتى النماذج الأكثر حداثة في الشعر العربي فالبنية التعبيرية والجمالية لشعر القصيبي لا ترتبط بالمكان الصحراوي أو البيئة الخليجية، بقدر ما ترتبط بالبيئة الشامية المدينية التي تنعكس في اللغة على شكل ليونة أسلوبية وتراقص إيقاعي واحتفاء بالحواس . ومن يتابع تجربتي محمد البتيتي وغازي القصيبي، وكلاهما سعودي، لا يكاد ينتبه إلى أن الشاعرين ينتميان إلى البيئة نفسها حيث تضج تجربة الأولى بمفردات الصحراء وظلالها المكانية والوجدانية المثخنة بالعطش، بينما تبدو تجربة الثاني أقرب إلى المدرسة الجمالية اللبنانية والسورية متصادية مع رشاقة الأخطل الصغير وجمالية سعيد عقل وسلاسة نزاز قباني .
تتسم قصيدة غازي القصيبي بالشفافية والوضوح والانسياب التعبيري الذي يبدو كأنه رد الشاعر الرمزي على شظف الرمال وجفاف الصحراء . وهي ميزة لا تقتصر على الأسلوب وحده بل تنسحب على موضوعاته وعناوينه ومقاربته للحياة، حيث الشعر يبتعد عن الندب والتفجع ويشعّ بالكثير من الفرح والدماثة واللطف حتى لو كان الألم موضوعاً له، ولأنه شاعر الاحتفال بلذائذ العيش وجمالاته، فإن القصيبي احتفى بالمرأة أشد الاحتفاء وأفرد لها الكثير من قصائده ومقطوعاته، ورأى فيها الرد الأكثر ملاءمة على قسوة العالم وذئبيته الفظة، على أن صخب الصبا وميعة الشباب سرعان ما أخليا موقعيهما لشعور داهم بالكهولة تبدت ملامحه في أعمال الشاعر الأخيرة التي احتل فيها هاجس الزمن والتقدم في العمر مرتبة متقدمة بين موضوعاته: “يمر جمالك الوردي فوقي/كما تمشي النصال على الذبيح/فيهزأ ناظراك من اكتئابي/وتهبط راحتاك على جروحي/أغرّك أنني أحيا غروبي/وأنك وردة الفجر الجموح؟” .
وفي قصيدة أخرى بعنوان “زائرة” لا يكاد الشاعر يهلل لقدوم زائرته اليافعة الحسناء حتى يتذكر فارق السن بينه وبينها فيعلن بمرارة “وما بيننا ست وخمسون . . تحتها/يئن شباب كان بالأمس يبغم/أزائرة الأيام والعمر مقفر/وزائرة الأحلام والليل مظلم/دعاك إلى دنياي سرّ أردته/أمامك عرياناً وشعر مطلسم” .
لا يعثر قارئ غازي القصيبي على لفظة نافرة أو جملة ناشزة، بل ثمة دائماً هذا التخير المحبب للمفردات والصور الموحية على غير اغراق في الرمز، وهي ميزة تنسحب على شعره السياسي النقدي والاعتراضي، كما على شعر المرأة والحب والصخب البعيد عن الابتذال . ولعل ذروة الشاعر ولقيته الإبداعية الأجمل قد تمثلت في ديوانه الفريد “سحيم” الذي يتماهى من خلاله القصيبي مع الشخصية الفذة لعبد بني الحسحاس الذي لم يرد على سواد لونه وشعوره المر بالدونية، من خلال السيف وقوة العضل كما فعل عنترة بن شداد، بل من خلال فحولته الخارقة التي جعلته قبلة أنظار نساء القبيلة ومثار اهتمامهن، منتقماً لنفسه ولنسبه الوضيع ولونه الأسود من كل الذين آذوه واحتقروه ونكلوا به . والمريب في الأمر أن النقد العربي لم يلتفت إلى هذا الديوان المميز ولم يعره أية اهتمام تذكر رغم كونه أحد أجمل نصوص الحب العربية المعاصرة .
شوقي بزيع
جريدة الخليج 29 أغسطس 2010
|