مجالس الحكام في دبي
الشيخ حمدان بن محمد بن راشد ولي العهد يعيد الرونق إلى مجلس جده
الشيوخ أو الحكام في دبي، كانوا أكثر المشايخ في المنطقة احتكاكاً بالناس، أو بالرعايا أو الجماعة، كما كان يطلق عليهم في السابق، ولا يقتصر هذا الاحتكاك على المواطنين المعروفين بالجماعة، بل كان المجلس الذي يجلس فيه الشيخ الحاكم يفد إليه القاصي والداني، الغريب والقريب، ويستطيع القادم أن يجلس بجانب الشيخ أو في مواجهته ويعرض ما في نفسه أن يقوله ويبديه، طالب حاجة كانَ أو رافع مظلمة، أو ما شابه ذلك من الحاجات، وأعتقد أن الإمارات كلها كانت على هذه الشاكلة من تواجد الشيوخ في المجالس اليومية حتى قيام الاتحاد عام 1971.
حيث تحولت الأقضية والنظر في الحاجات اليومية للناس إلى المؤسسات مباشرة، ولكن مجلس الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله ظل على حاله السابق وبشكله اليومي في أكثر من مكان، بما في ذلك منزله في زعبيل، حتى مرضه الذي منعه من ممارسة عمله اليومي في أواخر 1980 وثم وفاته رحمة الله عليه عام 1990، وكان هذا المجلس بالنسبة للشيخ راشد، هو دوام إداري يومي طوال الأسبوع، وكان الشيخ راشد لا ينقطع عن هذا الدوام في حضره (وجوده في البلد)، صيفا وشتاءً، قبل قيام الاتحاد وبعده، والذي دام قرابة عشرين عاماً.
ويعود التاريخ المدّون لمجلس الشيخ الحاكم في دبي، إلى عصر الشيخ حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل، الحاكم الثالث في سلسلة أسرة المكتوم، التي بدت بالشيخ مكتوم بن بطي عام 1833، وكان الشيخ حشر بن مكتوم قد تولى الحكم بعد وفاة عمه سعيد بن بطي عام 1859، واستغرقت أيام حكمه قرابة 27 عاما حتى وفاته في 1886، وهو أول حاكم يسجل تاريخ دبي أنه استقبل وفوداً أجنبية، وكان من ضمن هذه الوفود وفد إيراني جاء لزيارة الشيخ حشر من لنجة حوالي العام 1880، ومن المحتمل أن تكون هناك وفود أخرى قبل هذا التاريخ ولكن لم نجد أي تدوين عنها. ويستثنى من هذه الوفود المندوبون البريطانيون الذين كانت لهم ممثلية في الشارقة، وكانوا من عرب الخليج ويقيمون في ساحل عمان أو الإمارات الحالية.
والذي يعنينا في موضوعنا هنا عن مجالس الشيوخ، أن هناك كاتباً إيرانياً من أسرة معروفة في أنحاء الخليج من عمان وحتى البحرين، وهي أسرة الفرامرزي، هو جد هذه الأسرة واسمه الشيخ عبد الواحد فرامرزي، وفرامرز هذه التي تنتسب الأسرة اليها هي احدى القرى التابعة لبستك في الجزء الجنوبي من فارس المحاذية للخليج.. كان الشيخ عبد الواحد مرافقاً للوفد الإيراني الزائر.
وقال الشيخ عبد الواحد انهم التقوا الشيخ حشر بن مكتوم بن بطي في مجلسه في بر دبي، ولم يذكر أين كان موقع هذا المجلس، وأكثر الاحتمال هو أن المجلس كان في حصن الفهيدي الذي كان مقراً للحكم في تلك الأيام.
ولما تولّى الشيخ سعيد بن مكتوم، 1912 ـ 1958 وهو حفيد الشيخ حشر بن مكتوم، عمرت المجالس وانتظمت، وكان رحمة الله عليه كثير التقوى والخشية من الله، يستقبل طالبي الحاجة حتى وقت راحته في غرفته الخاصة بمنزله في الشندغة الذي أصبح الآن متحفاً، وحدث أن دخل عليه أناس وهو نائم على سريره، وايقظوه من نومه يخبرونه بموضوعهم الذي جاؤوا من أجله.
ولم يمتعض من ذلك وأوصى بقضاء حوائجهم، وكان هذا شيئا عاديا بالنسبة لهذا الرجل الذي لم يشهد تاريخ العرب حاكماً تجتمع فيه الصفات الخلقية الحسنة مثله، بعد عمر بن عبد العزيز الأموي الملقب بخامس الراشدين.
كان الشيخ راشد، كما هو معروف، من أنبه الحكام في المنطقة وأكثرهم شعبية واحتكاكاً بالناس وبصفة يومية، وكل من يريد أن يكتب عن هذا الرجل ذي الميزات الفريدة فإنه يجد أمامه متسعاً من الأقوال ومادة دسمة من التاريخ الذي يظهر أن الشيخ راشد كان رجل دولة ويوضع في مصاف رجال الدول في التاريخ العربي والشرق اوسطي على السواء، ونحن هنا لا نؤرخ للشيخ راشد، فذاك مبحث لا يسعه مقام موضوعنا هذا.
ولكن نشير إلى أن مجلس الحاكم في عهد الشيخ راشد بن سعيد، أو بالأحرى منذ العام 1940، قد تحول إلى مركز إداري يداوم فيه الحاكم ويسيّر الأمور شأنه شأن أي موظف يتولى مؤسسة ويديرها، فالشيخ راشد كان يأتي إلى مكتبه الذي هو مجلسه أيضاً في الصباح الباكر حوالي الساعة التاسعة، وحتى الواحدة والنصف بعد الظهر، ناهيك عن مجالسه في العصر والمساء، والصباح بعد صلاة الفجر مباشرة.
وعندما قام مساء الأحد الماضي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، بتوجيه دعوة إلى عدد من الرعيل الأول من دبي الذين عاصروا المغفور له جده، الشيخ راشد بن سعيد، كانت بادرة جميلة منه أن يكون مكان الاجتماع مكتب جده الملاصق لمبنى الجمارك القديم والديوان الذي انشئ قبالته، وزاد هذا الاجتماع الجميل بهجة عندما حضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، بنفسه هذا المجلس وحيّا فيه المجتمعين، وأعاد إلى الأذهان الذكرى العطرة للمغفور له أبيه الشيخ راشد في نفس الغرفة التي تطل على خور دبي، ويرى منها حركة «العبارات» بين ديرة ودبي.
وكانت هذه المكاتب التي تعود إلى عهد الشيخ راشد رحمه الله قد تم بناؤها من ضمن المنزل الجميل المطل على الخور في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، والذين رأوا هذا المنزل الذي أقيم فيه الاحتفال الكبير بتنصيب الشيخ راشد حاكماً خلفاً لأبيه في سبتمبر عام 1958، ورأوا المنازل الأخرى المحيطة به والقريبة من حصن الفهيدي، يتذكرون ما كان عليه هذا المكان من أبهة وجمال وتاريخ يزيد على مائة عام من العمارة العربية التي كانت تتميز بها دبي وتجعلها أكثر مدن الخليج بروزاً بهذا الفن المعماري المتميز، وكان الاجتماع الذي خص به الرعيل الأول الذين عاصروا ازدهار هذه العمارة لفتة كريمة من سمو الشيخ حمدان بن محمد وعرفاناً بجمايل الآباء والأجداد.
عبد الغفار حسين
البيان 9 سبتمبر 2010
|