نحو تجمع للرواية الخليجية
تدور، منذ سنوات، أحاديث كثيرة، هامسة أحياناً وصريحة في أحايين، في الملتقيات والمهرجانات واللقاءات الثقافية الخليجية والعربية، حول مكانة الرواية العربية المكتوبة بأقلام خليجية، وتبعاً لذلك حول مكانة الروائي الخليجي بين أقرانه من الروائيين العرب، وجواز أن ينظم الروائيون في منطقة الخليج أنفسهم في تجمع سردي، بقصد إيصال نتاجهم إلى الآخر، عربياً كان أم أجنبياً.
إن الإبداع، بمختلف أجناسه الأدبية، يخضع أساساً، وقبل كل شيء، لشروطه الفنية الصارمة، التي ليس من بينها جنسية الكاتب. فالرواية كجنس أدبي رسخت حضورها الكوني معتمدة على خلق واقعها الفني، الذي يؤثر في الواقع الإنساني، وكذلك محاكاتها الفنية الآسرة للقضايا الإشكالية، وقدرتها على إضافة تجربة جديدة لحياة قارئها، قد تساعده على فهم مغاير لشروط واقعه، وبالتالي تمكّنه من التكيّف مع ذلك الواقع. ومن هنا يكتسب الفن دوره الفاعل في حياة الناس، لكونه كاشفاً لخبايا الواقع، وبما يفوق قدرة الواقع وجراءته على المجاهرة بتخلف تلك الخبايا وبؤسها ولا إنسانيتها.
إن الحديث عن رواية عربية خليجية، تحمل ملامح وعوالم بيئتها الخاصة، يُشير الى إمكانية الحديث عن رواية عربية مصرية، وأخرى سورية، ومغربية، وسودانية، وعراقية، ولبنانية، وجزائرية، وتونسية وغيرها. لكنّ الواقع الثقافي العربي يؤكد وجود رواية عربية واحدة بمظلة واسعة وملونة، تقدم مادتها الإبداعية النابعة من بيئاتها. وبالتأكيد فإن من بينها رواية خليجية عربية، قدمت عوالمها بخصوصية تلك العوالم، وظروفها الاجتماعية، المتشابهة إلى حدٍ ما، مثلما قدمت رواية أي قطر عربي عوالمها، بدءاً برواية نجيب محفوظ، مروراً بحنا مينة، وفؤاد التكرلي، والطاهر وطار، والطيب صالح، وجمال الغيطاني، وإبراهيم الكوني، ونبيل سليمان، وواسيني الأعرج، وصنع الله إبراهيم، وسالم حِمّيش، وإبراهيم نصر الله، وعالية ممدوح، وعلوية صبح، وسواهم.
إن نظرة متأملة في النتاج الروائي العربي، خلال العقد الأخير، توضح بما لا يدع مجالاً للشك، وجود رواية عربية خليجية، ناطقة بلسان حال مجتمعاتها، ومسلطة الضوء على الحراك الاجتماعي المحتدم هناك، وأن هذه الرواية، صار لها وجود ملحوظ في ساحة الرواية العربية، وأن أعمالاً روائية خليجية تقف جنباً إلى جنب، بالنظر إلى درجة إبداعها، إلى جانب أي رواية عربية أخرى، وربما هذا وحده يستحق أن يميّزها، ولا أرى ضرراً في أن يقال عنها رواية عربية خليجية، بسبب انتمائها الجغرافي إلى منطقة الخليج العربي أولاً، وغوصها في قضايا أو هموم مجتمعاتها ثانياً، وكتابتها بأقلام أبناء المنطقة من جهة ثالثة.
إن القول برواية عربية خليجية، يعني بالنسبة لي، رواية محققة لشرطها الإبداعي والفني، ومكتوبة بلغة عربية، ومنتمية لبيئتها الخليجية، من خلال حضور المكان ورصد أو تقديم الشخصية الخليجية وكذلك العربية والأجنبية التي تعيش على أرض دول مجلس التعاون. وأخيراً أن تكون قادرة على ترجمة الحدث الواقعي في صيغة فنية تحمل من الواقع بقدر ما تحمل من الفن والسحر والمتعة، ساعية إلى خلق واقع فني، يتجاوز الواقع الحياتي الراهن، يؤمن بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والمحبة بين جميع البشر.
إن الدعوة إلى تجمع سردي خليجي، وسط نتاج ومنافسة وسوق محموم للرواية العربية، ووسط عالم تحتله وسائل الإعلام، ربما تكون مسوغة في سعيها المشروع والمبرر للإشارة إلى النتاج السردي الخليجي، بهدف الوصول إلى الآخر العربي، بالدرجة الأولى، كاتبا وناقدا ومثقفاً ومسؤولاً ثقافياً وقارئاً، ومن ثم لفت نظره لحضور ذلك النتاج، بوصفه رواية محققة لشرطها الإبداعي، تأتي من البيئة الخليجية العربية المغلفة، والمتهمة بالثراء الفاحش والترف والدعة.
بات من النافل القول إن أبناء الخليج هم الأقدر على أن يعبّروا عن تاريخ بيئاتهم وطبيعتها وجمالها وهمومها ومنعطفاتها من خلال النوع الروائي. ويبدو منسجماً مع ذلك تأكيد حقهم في أن يكون لهم تجمع سردي ثقافي ينطق باسمهم، ويكون رافداً إبداعياً من روافد الرواية العربية، لا يخرج عن مظلتها الواسعة والمزركشة، بل يأخذ مكانه الصحيح إلى جانب الكتابات الروائية العربية الأخرى، مشرعاً صدره للتواصل والحوار مع الآخر، وواضعاً نصب عينيه أن الكاتب الخليجي إذا أراد لأعماله أن تصل إلى الآخر، فإن الإبداع وحده هو الشرط الأساسي القادر على حملها بقوة إلى ذلك الآخر، أينما كان مكانه، وأياً كان موقفه من البيئة الخليجية وأهلها.
الاربعاء ( الحياة ) 17 يونيو 2009
طالب الرفاعي
|