علاء الأسواني و"بيروت 39"
لم يكن من المفاجئ ان يستقيل الروائي المصري علاء الأسواني من لجنة تحكيم مهرجان «بيروت 39» الذي تنظمه مؤسسة «هاي فستيفال» البريطانية احتفاء بـ «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009». وكان الكثيرون من الصحافيين والكتّاب يتوقعون أن يعلن الكاتب الذي أصبح عالمياً، هذه الاستقالة، وقد أعلنها فعلاً وان لم تكن ذريعته مقنعة أو واضحة تماماً.
كان مهرجان «بيروت 39» الذي يقضي بجمع 39 كاتباً من الجيل العربي الشاب، روائيين وشعراء وقاصِّين، قد انطلق، وكان الاسواني وافق بترحاب، على ترؤّس لجنة التحكيم. ولم تمضِ أيام على اعلان المشروع حتى تقدمت اليه أسماء كثيرة تخطت حتى الآن الثلاثمئة من الدول العربية كافة، اضافةً الى المغترب العربي. وقد لقيت فكرة المهرجان ترحيباً لدى الكتّاب الشباب ووجدوا فيها فرصة ملائمة للتلاقي والتعارف والحوار. انطلقت فكرة المهرجان بسرعة عبر وسائل الإعلام، على اختلافها، وعبر الانترنت والمواقع الالكترونية التي تغزو المدن والمناطق، وسرعان ما استجاب لها الكتّاب الشباب وتنادوا للتقدم الى المسابقة بغية المشاركة في المهرجان. وبدت بيروت بذاتها تعنيهم مثلما يعنيهم المهرجان الفريد ذو البعد العالميّ. ولئن بدا المهرجان المقصور على 39 كاتباً شاباً غير قادر على استيعاب الأسماء العربية البارزة التي لم تتخط التاسعة والثلاثين عمراً، فهو سيمثل حتماً شريحة مهمة تختصر خريطة الإبداع العربي الشاب. فالمهرجان العالمي اختار هذه القاعدة منذ انطلاقته وكانت له سابقة نجحت أيما نجاح، وقد جمع خلالها 39 كاتباً شاباً من بلدان أميركا اللاتينية قاطبة واحتفى بهم في بوغوتا عام 2006.
كان الجيل العربي الشاب في حاجة ماسّة الى مثل هذا المهرجان العالمي. فالمعروف أن معظم المهرجانات العربية تستثني الجيل الجديد، ونادراً ما تستضيف الأسماء الشابة، مقتصرةً المشاركة على الأسماء المكرّسة واللامعة وعلى «النجوم» الذين - بحسب ظنها - يخطفون الأضواء ويمنحونها المزيد من «الشرعية». ولم يكن الاقبال العربي الغزير على المشاركة في مسابقة «بيروت 39» إلا دليلاً على حماسة الشباب وحلمهم بمثل هذا اللقاء الذي لن يتكرر.
كان من المتوقع أن يستقيل علاء الأسواني من رئاسة لجنة التحكيم ومن اللجنة نفسها، على رغم ترحابه بهذه البادرة وتحمسّه لها. فهو سرعان ما اكتشف أن عمل التحكيم يتطلب الكثير من الجهد والتضحية مقابل مكافأة مالية صغيرة، علاوة على أن الكتّاب التسعة والثلاثين هم سيكونون «النجوم» طوال المهرجان، ولن يكون على اللجنة إلا أن تختفي بعد أن تكون أدّت وظيفتها. وعلاء الاسواني لم يعد قادراً على التخلّي عن نجوميّته بعدما حالفه الحظ وترجمت روايته «عمارة يعقوبيان» الى لغات شتى ومهدت أمامه الطريق الى العالمية. لكنه لم يدع فرصة هذا المهرجان تفوته فوافق على ترؤس لجنة التحكيم، على أن ينسحب لاحقاً فيقطف الكثير من «الصخب» الإعلامي من غير أن يبذل أي جهد. وهذا ما حصل فعلاً. لكن حججه التي تذرّع بها كانت واهية ومفضوحة. فماذا يعني أن يبرّر استقالته بعدم نشر اعلانات «مدفوعة» عن المسابقة في الصحف وعلى الشاشات الصغيرة؟ بل ماذا يعني كلامه عن حصر المرشحين في دائرة صغيرة مع انه يعلم ان الترشيحات انهالت من كل أنحاء العالم العربي؟ ثم لماذا هذا العداء الذي يضمره لبعض الكتّاب الشباب الذين لم تجذبهم أعماله ولم يمتدحوه، فوصفهم بأنهم مجرد صحافيين؟ وقد فات الاسواني أن أكثر من أربعين كاتباً شاباً من مصر تقدموا حتى الآن الى المسابقة، ما يعني ان المهرجان لم ينحز لبلد دون آخر أو لفئة دون أخرى أو لأسماء دون أخرى.
بدت حجج الأسواني واهية وغير مقنعة بتاتاً. لماذا لم يعترف الأسواني صراحة أن لا وقت لديه لقراءة أعمال ثلائمئة كاتب عربي شاب، هو الذي كما قال، يظل على سفر، بين عاصمة وأخرى، لاهثاً وراء عالميته وطامحاً - ولو بالسر - الى الوصول الى قائمة نوبل؟ لماذا لا يعترف الأسواني بعدم حبّه للكتّاب الشباب الذيم لم يعربوا عن اعجابهم به وعن حماستهم لأعماله؟
حصد علاء الأسواني ما كان يحلم بحصده من صخب اعلامي وضوضاء وأعلن انسحابه من لجنة التحكيم، رئيساً وعضواً، وهو كان يعلم أن مهمته ستكون بمثابة عبء شديد عليه، هو الكاتب الذي أصبح عالمياً. وكفاه أن استقالته - ولو لم تكن مبررة - شغلت الصحافة مثلما شغلت أوساط الكتّاب الشباب. لكنه يدري حتماً أن مثل هذه الطريقة يستحيل تصديقها أو أخذها جدّياً.
لا يحتاج مهرجان «بيروت 39» الذي تشارك فيه وزارة الثقافة اللبنانية التي لم تُعرف يوماً بتشجيعها للأجيال الشابة، لا يحتاج الى الإعلانات المدفوعة في الصحف والمجلات والشاشات الصغيرة والفضائيات ليخاطب الكتّاب العرب الشباب وليدعوهم الى المشاركة في المسابقة. فهؤلاء هم في غنى عن مثل هذه الإعلانات - على خلاف ما يظن الأسواني - لأنهم على بيّنة مما يحصل في الساحة الثقافية العربية وكذلك العالمية.
انسحب علاء الاسواني، لكن المهرجان مستمر والكتّاب العرب الشباب التسعة والثلاثون سيلتقون في بيروت التي ستستعيد من خلالهم هويتها الثقافية الطليعية وصفتها كمختبر للأدب الجديد.
عبده وازن
(الحياة) الإثنين29 يونيو 2009
|