قدم الناقد عبده وازن تحليلاً نقدياً للترجمات العربية الحديثة للملاحم العالمية، خلال محاضرة نظمها المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، مساء الاحد 18 فبراير2012 استهلها بالإشارة إلى أنه بين العام 1904 و2004 صدرت ترجمتان لملحمة “الألياذة” الى اللغة العربية، الأولى يمكن وصفها بالحدث النهضوي والثانية بالحدث المعاصر أو الحداثوي، أمّا المفارقة هنا فتكمن في أنّ الزمن الذي يفصل بين الترجمتين أو الحدثين، هو قرن بكامله، هو القرن العشرون الذي تميّز عربياً في جمعة بين حركتين أدبيّتين تاريخيّتين هما حركة النهضة وحركة الحداثة .
وأشار وازن إلى أنه تصعب المقارنة فعلا بين ترجمة سليمان البستاني الكلاسيكية للملحمة في عام 1904 والترجمة المصرية النثرية التي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر في عام ،2009 فالأولى صاغها البستاني شعراً عمودياً، في ما صيغت الثانية نثراً على غرار الترجمات العالمية الكثيرة، والترجمة المصرية الجديدة هي أقرب إلى القارئ ولا سيما القارئ المعاصر، ليس لأنها تعتمد النثر فقط وانما لما تضمنت من شروح وملاحظات جمة .
وأشار المحاضر إلى أن إعراض العرب عن نقل “الألياذة” مدة طويلة إلى العربية رده البستاني الى عجز المترجم عن نظم الملحمة في قوالب الشعر العربي، وفي الترجمة الحديثة للألياذة لا بدّ من الإشارة الى أنّ العمل الجماعي الذي قام به فريق من المترجمين المصريين يترأسهم الدكتور أحمد عتمان، والمتخصصين في الأدب اليوناني، ساعد على مواجهة الغموض الذي يكتنف هذا العمل الملحمي الضخم الذي يعود الى القرن التاسع قبل الميلاد، والصعوبات الجمة والمشكلات المستعصية التي تعتريه وفي مقدمها تعريب أسماء الآلهة الاغريقية والأبطال والأعلام الجغرافية والأماكن، إضافة الى الإلمام بمعارف العصر القديم وتقاليده ومعتقداته وبالعلوم التي شملتها “الألياذة” كالطب والهندسة والفلك وسواها .
وقال وازن إنه سواء وجد هوميروس كشخص تاريخي أم لم يوجد، وسواء كان شاعر “الألياذة” واحداً أم أكثر، فإنها وجدت وتناقلتها الأجيال عصراً تلو آخر، وكان لها الأثر العظيم، على آداب العالم، ومن يقرأ “الألياذة” يشعر أن الشعر فيها قادر على الغوص في أعماق النفس البشرية وعلى ولوج عالم الحياة والموت، عبر لغة قوية ولينة، متماسكة وواضحة، رمزية وسردية، ولا يستطيع القارئ، إلا أن يقر بعظمة هذا الشاعر الذي يدعى هوميروس، وقد وفق بين عمق الموضوعات وبهاء الشكل وقوة الأسلوب، مبتعداً عن التصنع والتكلف على رغم الطابع البنائي أو التركيبي للملحمة .